أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
310
شرح مقامات الحريري
وأما حكمته فقد ذكر اللّه تعالى منها في كتابه ما علم ، وذكر مالك في موطّئه منها كلاما كثيرا ، وذكر منها فصلا في كتاب الجامع من الموطأ . ومن حكمته : يا بنيّ إنّ الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون ، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون ، وإنّك قد استدبرت الدنيا منذ كنت ، واستقبلت الآخرة ، وإن دارا تسير إليها أقرب من دار تخرج منها . يا بنيّ ليس غنى كصحّة ، ولا نعيم كطيب نفس . يا بني لا تجالس الفجّار ولا تماشهم ؛ اتّق أن ينزل عليهم عذاب من السّماء فيصيبك معهم ، وجالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن اللّه تعالى يحيي القلوب الميّتة بالعلم ، كما يحيي الأرض بوابل المطر . أبو إسحاق الثعالبي بإسناد له عن عكرمة . قال : كان لقمان من أهون مماليك سيّده عليه ، فبعثه مولاه مع عبيد له إلى بستانه يأتونه بشيء من ثمر فجاءوه وما معهم شيء ، وقد أكلوا الثمر ، وأحالوا على لقمان ، فقال لقمان لمولاه : ذو الوجهين لا يكون عند اللّه وجيها ، فاسقني ، وإياهم ماء حميما ثم أرسلنا لنعدو ففعل فجعلوا يتقيئون تلك الفاكهة ولقمان يتقيّأ ماء ، فعرف مولاه صدقه وكذبهم . قال : وأوّل ما عرف من حكمته أنه كان مع مولاه ؛ فدخل مولاه المبرّز فأطال فيه الجلوس ، فناداه لقمان : إنّ طول الجلوس مع الحاجة ليوجع منه الكبد ، ويورث الباسور ، ويصعد الحرارة إلى الرأس ، فاجلس هوينى ، قال : فخرج وكتب حكمته على باب الحش . قال : وسكر مولاه يوما فخاطر قوما أن يشرب ماء بحيرة ، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه ، فدعا لقمان فقال له : لمثل هذا كنت اختبأتك ، فقال لمولاه : أخرج أباريقك ثم اجمعهم ؛ فلما اجتمعوا قال : على أيّ شيء خاطرتموه ؟ قالوا : على أن يشرب ماء هذه البحيرة . قال : فإن لها موادّ فاحبسوا عنها موادّها ، قالوا وكيف نستطيع ذلك ! قال لقمان : كيف يستطيع هو أن يشربها ولها موادّ ! . وأراد مولاه بيعه . فقال : يا مولاي إن لي عليك حقا فلا تبعني إلّا ممّن أحبّ ، قال : لك ذلك ، فكان الرّجل إذا جاء يستامه قال : لأيّ شيء تريدني ؟ فقال أحدهم : تحفظ عليّ بابي . قال : اشترني ، فلما جنّه الليل أغلق الباب ، وقام يصلّي في الدهليز . وكان لبنات الرجل أخلّاء فجاءوا فضربوا الباب ، فقلن : يا لقمان ، افتح الباب ، فقال : بأبي أنتنّ وأميّ ! ليس لهذا اشتراني أبوكنّ ، فضربنه ضربا كدن أن يأتين منه على نفسه ، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ ، فلما كانت الليلة الثانية عاودنه بمثل ذلك ، فلما أصبح لم يخبر أباهنّ ، فلما كانت الليلة الثالثة عاودنه بمثل ذلك . فلما أصبح لم يخبر أباهنّ فأقبل بعضهنّ على بعض فقلن : ما جعل اللّه هذا العبد الأسود أولى بهذا الخير منا ، قال : فنسكن نسكا لم يكن في بني إسرائيل أفضل منهنّ . عبد اللّه بن دينار ، قال : قدم لقمان من سفر ، فاستقبله غلام له في الطريق ، فقال له